8/26/2010
        
   
البحث في الموقع

  
  
 
 
 المهرجانات والتراويح .. من المدنس إلى المقدس

 الدكتور أحمد الريسوني لـشبكة إسلام أون لاين": الاتجار في التمور الإسرائيلية حرام

 الأستاذ أحمد الريسوني..رئيسا لرابطة علماء أهل السنة

 
 التصرف في المال العام ومسألة الحج على نفقة الدولة

بقلم الأستاذ أحمد الريسوني:
قبيل موسم الحج للسنة الماضية، أثير نقاش فقهي حول مسألة "الحج على نفقة الدولة". وكنت قد تلقيت يومها استفسارا هاتفيا في الموضوع، من جريدة (المساء) المغربية، وأجبت جوابا مقتضبا لم يكن شافيا، مما جعل بعض المهتمين يتصلون بي طالبين مزيدا من التوضيح والتفصيل للمسألة.
وكان هذا النقاش الفقهي قد بدأ وانطلق من مصر، حيث "تقدم بعض نواب المعارضة بمجلس الشعب المصري بطلب إحاطة لكل من رئيس الوزراء ووزيري التضامن والتنمية المحلية، حول ما اعتبروه رشوة سياسية، مقدمة من وزير التضامن، لثلاثة من نواب المجلس، أعضاء بلجنة الشئون الدينية، في صورة استضافتهم للحج على نفقة الوزارة، مع أن هذه اللجنة هي المنوط بها مراقبة أعمال وزارة التضامن. وأكد طلب الإحاطة أن حج النواب الثلاثة يكلف وزارة التضامن حوالي 100 ألف جنيه، في حين أن الشعب يعاني الكثير من الأزمات الاقتصادية..."
بعدها صرح شيخ الأزهر محمد سيد طنطاوي، أن الحج على نفقة الدولة لا يجوز، لأنه قد يتضمن أكل أموال الفقراء واليتامى بالباطل ... بعدها صدرت تعليقات من بعض الفقهاء من مصر والسعودية وغيرهما، ما بين مؤيد لشيخ الأزهر ومعارض له. وبما أن المسألة ذات ارتباط بقضايا أعم وأسبق، عليها يتأسس القول بالجواز أو عدمه، فيجب أولا تقديم نبذة عن مسألة التصرف في المال العام وضوابطه، قبل النظر في مسألتنا.
أموال الدولة وحق التصرف فيها
ما يسمى اليوم بأموال الدولة، أو المال العام، أو الأموال العمومية، هي أموال تعود ملكيتها الحقيقية، لعموم أفراد المجتمع. لكن بما أن أفراد المجتمع لا يمكنهم جميعا تدبيرها والتصرف فيها، فقد تعارفت الشرائع والقوانين على أن تدبيرها والتصرف فيها يدخلان في صلاحيات ولاة الأمور، باعتبارهم نوابا عن الأمة. قال العلامة علاء الدين الكاساني: " "وأما الإمام فهو نائب عن جماعة المسلمين" - (بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع 2 /491)
وتصرف هؤلاء النواب – وكذلك نوابهم - في أي جزء من المال العام، لا بد أن يقوم على أساسين:
الأساس الأول: أن يكون بما هو الأنفع والأصلح للمجتمع ولعموم الناس، طبقا لقاعدة: " تَصَرُّفُ الإمامِ على الرعية مَنوطٌ بالمصلحة". فمصلحة الجماعة، ومصلحة أكبر عدد ممكن من أفرادها، هو المعيار المحدد للتصرف في المال العام: ما يصح منه وما لا يصح، وما يجوز وما لا يجوز، ومن يستحق ومن لا يستحق، وما هو الأولى، وما هو خلاف الأولى...
الأساس الثاني: أن يُنفَق كلُّ مال فيما أخذ لأجله وفيما رُصد له... فمالُ الزكاة للزكاة، ومال الفقراء للفقراء، ومال الأيتام للأيتام، ومال الأوقاف لما وقف له، ومال المرافق والمصالح العامة فهو لها... وهكذا. فإذا لم يكن للمال مصرف خاص محدد عدنا إلى الأساس الأول.
والعلماء يُقرِّبون المسألة من خلال تشبيهها بالتصرف في مال اليتيم، مع العلم أن الشأن في الأموال العامة أكبر وأخطر. وقد خاطب الله تعالى القائمين على أموال اليتامى بقوله:
- {وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا} [الإسراء/34]
- وقال: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [النساء/10]
قال الشافعي رحمه الله: "منزلة الإمام من الرعية، منزلة الولي من اليتيم". (نقله السيوطي في الأشباه233، والزركشي في المنثور1/309). يعني أن صاحب الولاية العامة عليه أن يتصرف في مصالح الرعية وأموالها، كما يتصرف ولي اليتيم في أموال يتيمه، أي: بكامل الأمانة والرعاية والاحتياط، وأن يحفظ عليه القِرش والفِلس والـحَبة. قال إمام الحرمين: "على الوصي مراعاة النظر والغبطة والمبالغة في الاحتياط، حتى لا يبيع سلعة له بعشرة، وثَـمَّ من يطلبها بعشرة وحبة" – (نهاية المطلب في دراية المذهب 5/460)
وبصفة عامة، نهى الله تعالى، عن أي استعمال للمال أو أي تصرف فيه بغير استحقاق مشروع ثابت، فقال: {وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ}. قال الشوكاني في تفسير الآية: "هذا يعم جميع الأمة، وجميع الأموال، لا يخرج عن ذلك إلا ما ورد دليل الشرع بأنه يجوز أخذه، فإنه مأخوذ بالحق لا بالباطل، ومأكول بالحل لا بالإثم" – (فتح القدير1/248)
وفي صحيح البخاري عن خولة الأنصارية - رضى الله عنها - قالت سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: {إن رجالا يتخَوَّضون فى مال الله بغير حق، فلهم النار يوم القيامة}
قال ابن بَطَّال في شرح هذا الحديث: "وفيه ردع للولاة والأمراء أن يأخذوا من مال الله شيئًا بغير حقه، ولا يمنعوه من أهله"
فمَنْ ولي شيئا من أموال الأمة، أو أموال غيره بصفة عامة، فلا يصح له أن يتصرف فيه تصرف المالك في مال نفسه. فليس لخليفة أو أمير أو وزير، صلاحيةُ التصرف الحر في المال العام، ومنحه وتوجيهه حيث بدا له. بل ليس له أن يصرف منه حتى في حاجته هو، بدعوى أنه كذا وكذا...
وقد نقل الشاطبي عن ابن بشكوال، أن الخليفة الأموي بالأندلس "الحَكَم المستنصر بالله"، استفتى مجموعة من الفقهاء حين أفطر عامدا في رمضان، "فأفتوه بالإطعام، وإسحاقُ بن إبرهيم ساكت. فقال له أمير المؤمنين: ما يقول الشيخ في فتوى أصحابه؟ فقال له: لا أقول بقولهم، وأقول بالصيام (أي صيام شهرين متتابعين). فقيل له: أليس مذهب مالك الإطعام؟ فقال لهم: تحفظون مذهب مالك، إلا أنكم تريدون مصانعة أمير المؤمنين؛ إنما أمر بالإطعام لمن له مال، وأمير المؤمنين لا مال له، إنما هو مال بيت المسلمين. فأخذ بقوله أمير المؤمنين وشكر له عليه. قال الشاطبي: وهذا صحيح" – (الاعتصام1/373)

الحج على نفقة الدولة
نعود إلى مسألتنا، وهي مسألة الحج من المال العام للدولة. وهي مسألة تتضمن حالات وأشكالا متعددة، ينبغي التمييز بينها وبين أحكامها.
1. هناك مَن ترسلهم الدولة، أو أيُّ جهة تابعة لها، للقيام بعمل ما، أو مهمة ما، في موسم الحج، فيؤدون مناسك الحج بجانب المهمة الموكولة إليهم. كما هو شأن أعضاء البعثات الإدارية والطبية والعلمية، وكذلك الوفود أو الشخصيات المكلفة بإجراء لقاءات ومشاورات ومفاوضات، مع وفود وشخصيات من بلدان إسلامية أخرى، سواء تعلق ذلك بالحج، أو بغيره من مصالح الدول والشعوب وقضياها.
المهم أن كل من أرسل لغرض ولمهمة، فهؤلاء يجوز لهم أن يذهبوا ويحجوا على نفقة الدولة، أو تحديدا على نفقة الجهة المرسِلة لهم. ولهم أن يتقاضوا مكافآت وتعويضات زائدة عن نفقات الحج، بحسب ما هو معمول به. وهذا طبعا إذا كانت المهام المنوطة بهم جدية وأكيدة.
2. هناك مَن يذهبون للحج على نفقة صناديق ومؤسسات حكومية، أو حُبُسية، مخصصة أو مخصص جزء منها لهذا الغرض، وتكون مداخيلها وملكيتها عائدة إلى فئة معينة؛ مثل صناديق التقاعد، وصناديق الأعمال الاجتماعية. فمن كان مستحقا بمقتضى مصارف هذه المؤسسة وقوانينها، ولم يكن سبق له الحج، وتم اختياره بطريقة عادلة، فله أن يحج على نفقة تلك الجهة.
3. أما إرسال أشخاص لمجرد الحج وما يدخل في رحلته من تعبد أو تبضع أو منافع خاصة، وذلك على سبيل التكريم والمكافأة والتنعيم، مع الإنفاق عليهم، وربما الإغداق عليهم، من مال الدولة، لا لشيئ إلا لمواقعهم وصفاتهم... فهذا لا يجوز، وهو من أكل المال بالباطل، وهو من التخوض في مال الله بغير حق. والأدهى أن هؤلاء المستفيدين غالبا ما يكونون قد حجوا من قبل مرة أو أكثر، ومن الميسورين أو الأثرياء.
فهذا لا يجوز لأي مسؤول أن يتصرف به، كما لا يجوز للمستفيدين أن يقبلوا ذلك ولا أن يطلبوه. فإذا فعلوا، فالأموال التي أخذوها، والنفقات التي أنفقت عليهم على هذا النحو، تبقى دَيناً في ذمتهم.
وقد ذهب القاضي أبوبكر بن العربي إلى أن الحج، حتى من أموال الزكاة، ومن مصرف "في سبيل الله"، لا يجوز. وذكر ما ينسب إلى الإمام أحمد من أن مصرف "في سبيل الله" هو الحج، ورد عليه بقوله: " وهذا يَحُل عَـقْد الباب، ويخرِم قانون الشريعة، وينثر سلك النظر. وما جاء قط بإعطاء الزكاة في الحج أثر" – (أحكام القرآن 4/ 337)
وحتى الفقير الذي يُعطى من مال الزكاة، من باب فقره، فإنه لا يعطى للحج، لأن الحج غير واجب عليه، وإنما يعطى لفقره وحاجته. فإن حوَّل ما أخذه للحج، أو استعان ببعضه على نفقات الحج، فهذا شأنه، لأن المال أصبح مالَه.
4. أما الحالة التي تشير إليها مذكرة النواب المصريين، وهي أن يكون من وراء الإرسال إلى الحج غرض سياسي يرمي إلى الاستقطاب والتأثير على مواقف المبتعثين، فهي حالة أدهى وأمر، وهي جناية دنيوية وأخروية، والحكم فيها أوضح من أن يحتاج إلى كلام. ومثل ذلك أيضا، إذا تم الأمر لمجرد المحاباة واعتبار القرابة أو الصداقة، أو لمصلحة شخصية...
ومما يجدر التنبيه عليه، أن هؤلاء الذين يحجون بأموال ونفقات غير جائزة لهم، قد يظنون، أن حبهم للمقام العظيم، وتشوقهم للرسول الكريم، يسمح لهم باقتناص هذه الفرصة المتاحة للحج إلى بيت الله الحرام، وزيارة الحبيب المصطفى، وتخصيص فترة للتعبد والتطهر... والحقيقة أن هذا كلَّه من تلبيس إبليس، والمقامُ العظيم - سواء بمكة أو بالمدينة- لا يليق به الذهاب إليه بهذه الطريقة.

| | |
   




   
   
     Réaliser par Widesoft Systems