|
|
قضية نظام الحكم في الإسلام
هناك عدة تجليات لوجود تمييز واضح بين صنفين من أحكام الشريعة: ـ صنف يتعلق بمجال العقائد والعبادات والأخلاق ، وهو يتميز بأحكامه المفصلة والمستقرة. ـ وصنف يتعلق بمجال العادات والشؤون الدنيوية والأحوال المتغيرة ، وهو يمتاز بقلة أحكامه التفصيلية ، واعتماده ـ بدرجة أكبر ـ على القيم والمبادئ العامة. وتوجد داخل كل صنف قضايا قد تقترب في طبيعتها وتتداخل في أحكامها ، مع قضايا الصنف الآخر. وعلى سبيل الاختصار والتبسيط ، يمكن القول : هناك صنف أحكامه مكثفة ، وصنف أحكامه مخففة . وقضايا الدولة والحكم والسياسة داخلة في هذا الصنف الثاني. وأما وصفي لأحكام هذا الصنف بأنها مخففة ، فأعني به أولاً التخفيف الكمي، فهي قليلة . وهي أيضا مخففة ، باعتبار المرونة في صيغها ووسائلها التنفيذية . ولا يدخل في هذا التخفيف ، تخفيفُ لزومها ، أو التساهل في العمل بها ، بل بالعكس ، فالمبادئ الكلية يجب أن تكون دائما موضع تشديد وتوكيد . وموجب هذا التوكيد والتشديد هو ـ أولا ـ كونها أصولا وأسسا ، ومن شأن التساهل والتهاون في الأسس أن يوصل إلى هدم البناء وتقويضه، بخلاف ما لو وقع ذلك في الفروع والجزئيات ، فالضرر يبقى محصورا عندها وبمقدارها. وثانيا، لأن المبادئ العامة هي أصلا تكون مرنة ـ أوفضفاضة كما يقال ـ فيكون فيها مجال للتقدير والتأويل والتوسيع والتضييق. وهذا في حد ذاته نوع من التسهيل والتوهين ، فإذا أضيف إليه شيئ من الإهمال والانتقاص والإلغاء لهذه المبادئ ، كان مؤذنا بتلاشيها وذهاب ريحها. فلذلك يجب دائما إعلاء شأن المبادئ وحمايتها والتشدد فيه. مجال السياسة والحكم والدولة والإدارة العامة، محكوم ـ إذاً ـ بالمبادئ والقواعد الكلية ، وليس بأحكام تفصيلية منصوصة . فليس عندنا في الإسلام "نظام" سياسي معين ، لا باسمه ولا بهياكله الدستورية ، ولا بترتيباته القانونية. وأنا أعرف أن هذا الكلام يغضب كثيرا من الغيورين الأعزاء ، وقد يرون فيه انتقاصا للإسلام وشريعته الكاملة الصالحة لكل زمان ومكان ... وأنا أقول : لو كان للإسلام نظام سياسي معين ومحدد وثابت ، لما كان صالحا لكل زمان ومكان. فمن عظمة الإسلام وصلاحيته المتجددة ، أنه أتى بأحكام مفصلة ثابتة في المجالات الجوهرية المستقرة في حياة الإنسان ، في حين اكتفى بجملة من القواعد والمقاصد والمبادئ العامة ، فيما طبيعته التغيروالتنوع والقابلية لأكثر من وجه. فلا وجود في الإسلام المنزل ـ أي القرآن وصحيح السنة ـ لما يسمى"نظام الخلافة الإسلامية"، بل"الخلافة" إنما تجربة تاريخية وممارسة بشرية ، لاأقل ولا أكثر. وحتى هذه التجربة التاريخية ، لا تعبر عن نظام موحد أو متشابه ، يمكن الحديث عنه وعن عناصره المشتركة الثابة. بل هي أنماط عديدة ، تختلف باختلاف الدول والأقطار والأفراد . وحتى الخلافة الراشدة ، كان بين عهودها الأربعة اختلافات سياسية وتنظيمية معروفة ، مع أن فترة الخلفاء الأربعة كلهم هي فترة قصيرة ، يوجد من حكامنا اليوم من تجاوزها بمفرده . فالنظام السياسي، والتدبير السياسي، والقرار السياسي، والعلاقات والمؤسسات السياسية ، هذه كلها أمور لا يجمعها في حقبة الخلفاء الراشدين ، سوى المبادئ والتوجهات العامة ، التي يعبر عنها وصف تلك الحقبة بالخلافة بالراشدة ، ووصف الخلفاء الأربعة ـ أو الخمسة ـ بالراشدين. وحتى الإسم ـ اسم "الخلافة والخليفة" ـ إنما هو اسم من الأسماء اللغوية التي وردت في النصوص ، للتعبير عن الحكام والرؤساء ، الذين يخلف بعضهم بعضا ، منذ أن خلف أولُهم رسولَ الله صلى الله عليه وسلم . وليس هناك أي لزوم شرعي لتسمية رئيس الدولة الإسلامية باسم الخليفة ، ولا لتسمية الدولة التي يرأسها باسم "دولة الخلافة" ، ولا لتسمية النظام الذي يحكم به باسم "نظام الخلافة". فهذه مجرد تسمية من بين التسميات اللغوية والتاريخية الكثيرة ، التي استُـعملت بالفعل، أو يمكن استعمالها. وحتى الحديث الضعيف الذي رواه الإمام أحمد وغيره ، وحسنه بعض المتأخرين ، وهو:« تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافةٌ على منهاج النبوة فتكون ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكا عاضا فيكون ما شاء الله أن يكون ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكا جبرية فيكون ما شاء الله أن يكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج نبوة » ، حتى هذا الحديث لو سلمنا به ، فهو لا يحدد ولا يصف نظاما معينا جاهزا، ولا يُلزمنا بتسمية الخلافة ، وإنما يحيل على الوصف العام للخلافة الراشدة المهتدية بالنهج النبوي ، نهج الرأفة والرحمة والاستقامة... وهذا فيما لو صح الحديث. وعلى كل حال فليس لهذا الاصطلاح ـ في ذاته ـ أي فضل أو بركة ، ولا يُكسب أصحابَه أي شرعية أو مزية إضافية. وإنما الفضل والبركة ، والشرعية والمزية ، في الالتزام بالمبادئ والقواعد ، وتحقيق المصالح والمقاصد، ورفع الأضرار والمفاسد. وأهم ذلك : 1. الشورى ابتداء وانتهاء قال الله تعالى عن صفات جماعة المسلمين وَالَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ [الشورى/38]. فمقتضى قوله وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ : أن كل أمر من الأمور المشتركة بين المسلمين ، مما يهم جماعتهم أو فئة من فئاتهم ، وليس فيه حكم منصوص ، فهو شورى بينهم . أي : يتم تدبيره والبت فيه بالتشاور والتقرير الجماعي بينهم، إما بشكل مباشر من عموم أصحاب الأمر، وإما بالوكالة منهم والنيابة عنهم. وأول الشورى في موضوع الحكم والسياسة، هو أن يكون اختيار الناس لحاكمهم (شورى بينهم) ، ويكون عزله إذا تعين عزله ، أو تغييره إذا تعين تغييره ، (شورى بينهم). وإذا احتاجوا إلى تحديد طريقتهم ـ أو تغييرها ـ لتولية حاكمهم ، أو احتاجوا لتحديد واجباته وصلاحياته ، أوصلاحيات غيره من المسؤولين معه ، أولتحديد كيفية إدارته للحكم ، بما في ذلك طريقة ممارسة الشورى أثناء الحكم ، فذلك أيضا (شورى بينهم).ولو أرادوا تحديد مدة حكم الحاكم الأعلى ، أو حتى غيره من الولاة والأمراء والوزراء ، فذلك (شورى بينهم)... 2. المرجعية العليا للشريعة لا يمكن تصور نظام حكم ينتسب إلى الإسلام وإلى الشرعية الإسلامية، لا يجعل مرجعيته العليا هي الشريعة الإسلامية ، ولا يضع أحكامها الثابتة موضع التنفيذ . والآيات الآمرة بالحكم بما أنزل الله، والمحذرة من خلافه، كثيرة معلومة ، كقوله تعالى وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ [المائدة/49] وقوله جل جلاله وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا [الأحزاب/36] وأقل التزام عملي بهذا المبدأ هو إقرار مرجعية الشريعة ، وعدم تبني ما يعارض قطعياتها ومسلماتها.وأما القضايا الخلافية أو القضايا المستجدة ، فـهي مجال للاجتهاد والترجيح. 3. إقامة العدل بين الناس وهذا من البدهيات التي لا يجحدها أحد ، ولا يتأخر نظام أو حاكم عن إعلان تمسكه بها. ولأجل إقامة العدل أرسل الله رسله وأنبياءه ، وأنزل كتبه وشرائعه ، كما قال تعالى لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ [الحديد/25]. والعدل مطلوب من جميع الناس وفي جميع الشؤون . ولكنه مطلوب بصفة خاصة ممن يتولون على الناس ويحكمونهم أويقضون بينهم . قال تعالى إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النساء/58] وإقامة العدل تتحقق أولا بتطبيق الأحكام الشرعية المنصوصة، ولكن ما يحتاج إلى العدل وليس فيه نص وحكم منصوص ، هو أكثر بكثير جدا مما هو منصوص عليه . وقد نجد بعض الحكام يطبقون ما هو منصوص، ولكنهم يملؤون الأرض جورا وفسادا فيما يعتبرونه ليس بمنصوص. فلذلك يظل العدل مبدأ وقاعدة عامة ملزمة ، في كل ما يصدر وما لا يصدر عن الولاة. 4. تصرف الإمام على الرعية منوط بالمصلحة وهذه إحدى القواعد الفقهية الجامعة لمتطلبات الولايات والسياسة الشرعية . ومفادها أن أصحاب الولايات جميعا ، ليسوا أحرارا في تصرفهم وتدبيرهم لشؤون من تولوا عليهم . بل تصرفاتهم مشروطة ومقيدة بما فيه المصلحة لمن هم تحت ولايتهم.وإذا كان أمام أحدهم خيار بين ما هو صالح وما هو أصلح ، فلا يجوز له الأخذ بما هو صالح ، بل يلزمه الأخذ بما هو أصلح ، وإلا كان تصرفه باطلا . في تأصيل هذه القاعدة وبيان مضمونها ، يقول الإمام شهاب الدين القرافي :" اعلم أن كل من ولي ولايةَ الخلافة فما دونها إلى الوصية ، لا يحل له أن يتصرف إلا بجلب مصلحة أو درء مفسدة ، لقوله تعالى { ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن } ولقوله عليه السلام { من ولي من أمور أمتي شيئا ثم لم يجتهد لهم ، ولم ينصح ، فالجنة عليه حرام }. فيكون الأئمة والولاة معزولين عما ليس فيه بذل الجهد ، والمرجوح أبدا ليس بالأحسن بل الأحسن ضده ، وليس الأخذ به بذلا للاجتهاد ، بل الأخذ بضده . فقد حجر الله تعالى على الأوصياء التصرف فيما هو ليس بأحسن ، مع قلة الفائت من المصلحة في ولايتهم لخستها بالنسبة إلى الولاة والقضاة . فأَوْلى أن يحجر على الولاة والقضاة في ذلك . ومقتضى هذه النصوص أن يكون الجميع معزولين : عن المفسدة الراجحة ، والمصلحة المرجوحة ، والمساوية ، وما لا مفسدة فيه ولا مصلحة ، لأن هذه الأقسام الأربعة ليست من باب ما هو أحسن ، وتكون الولاية إنما تتناول جلب المصلحة الخالصة ، أو الراجحة ، ودرء المفسدة الخالصة ، أو الراجحة . فأربعة معتبرة ، وأربعة ساقطة ، ولهذه القاعدة قال الشافعي رضي الله عنه : لا يبيع الوصي صاعا بصاع لأنه لا فائدة في ذلك ، ولا يفعل الخليفة ذلك في أموال المسلمين . ويجب عليه عزل الحاكم إذا ارتاب فيه ، دفعا لمفسدة الريبة عن المسلمين . ويَـعزل المرجوح عند وجود الراجح تحصيلا لمزيد المصلحة للمسلمين." ـ الفروق 4 / 95 ـ 96
|
| |
|